الثلاثاء، 5 أبريل، 2011

ميدان القائد إبراهيم قبلة الغاضبين فى الاسكندرية



مسجد القائد ابراهيم
لم تكن ثورة ..بل كانت تباريح مخاض ..طالت قبلها الأوجاع والآلام على مدى أيام وشهور وسنوات ,لم تكن أيضاً محض صدفة بل طال انتظارها وتطلعت الحواس لتتلمس بداياتها بشغفٍ حقيقى , إنتظرها شعباً زادت عليه وطأة الظلم والفساد الذى نخرت عظامه فلم يترك أمام شباب تلك الامة من عزاءٍ على الارض فاتجهت أنظارهم نحو السماء ,وتبدل صبرهم وصلواتهم من بعد صمتٍ الى غضبٍ بركانى تفجر مدوياً سمعته كل الكآئنات على الأرض وفى السماء ,وابت إلا أن تكون ثورة بيضاء الأيادى والصفحات,مهما عصفت بها رياح التغير ..ومن قلب ميدان التحرير بالقاهرة سمعت شتى بقاع الأرض هذا النداء نداء الحرية الذى استجابت له كل الارواح التواقة للمساواة والهروب من تحت عباءة النظام الفاسد الى أصالة الواقع المصرى الحقيقية ’فاستنفرت معها كل عاشقٍ لذلك , وإن كان ميدان التحرير بالقاهرة هو مهد ولادة تلك الثورة والقابعين على ارصفته وطرقاته حتى الآن لايملكون الا عنفوان الكلمة وحناجر قوية تصدح بها هم رعاتها وحماتها ..فأن الاسكندرية هى الرحم الذى حمل نطفتها الاولى

                                                  البذرة


حادثة " خالد سعيد " بذرة الثورة الأولى ’ رغم وحشية تلك القبضة الدامية التى أودت بحياته ظلماً دون مبرر كانت نفس القبضة التى توهجت ناراً أمام الكثيرين من الشباب والناشطين الحقوقين بالاسكندرية وغيرها ..وكشفت عن ضيق مكنوناتهم وكاهلهم بما يستشرى فى جسد الامة من ظلم يغذيه الفساد وتسانده المصالح الشخصية حتى ولو حساب أرواح الأبرياء فانطلقت حملة "كلنا خالد سعيد " من على صفحات "الفيسبوك " ومواقع مدونات الشباب تردد ما يجول بخاطر شباب مصر جميعاً وتُظهر وعياً لم نعهده جميعا منهم ..واستمرت منذ السادس من يونيو 2010 تناهض قمع الغير مسؤلين من جهاز الشرطة والداخلية تجاه تلك القضية التى تابعها الرأى العام بإهتمام بالغ ..واستمرت الوقفات الاحتجاجية الصامتة التى طالما اشتاق اليها كورنيش الاسكندرية من جلسة محاكمة الى أخرى ..الامر الذى أكد على تلك القناعات هو الآخر لم يكن الا كارثة حلَت هى الأخرى على الاسكندرية مع اول ساعات الصباح الاولى لاول أيام العام الحالى , فى تمام الثانية عشر والثلث من صباح اليوم الاول من عام 2011، وأودت بحياة الكثيرين من الارواح البريئة التى لا ذنب لها سوى انها خرجت للاحتفال بعيد القيامة واستقبال عام جديد ..لم تكن تدرى ان اصابع وزير الداخلة السابق واعوانه من الجلادين قد اغتالوا تلك الفرحة البريئة التى علت وجوه الشهداء الذين تساقطوا بالعشرات مسلمين ومسيحين ولم تفصل أجسادهم حتى الآن أحياءاً او اموات ,من هنا انطلق اول نداء للإنتفاضة الشعبية بالخروج فى عيد الشرطة 25 يناير للإعلان عن المطالب الشعبية . ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل امتد الاستخفاف بأرواح الأبرياء فعصف بحياة المواطن السكندرى أيضاً" سيد بلال " الذى اعتقله ضباط امن الدولة فى السادس من يناير 2011 ثم أعادوه لاسرته فى اليوم التالى مباشرةً جثة هامدة مما أثار حفيظة المترددين فى الخروج وتلبية النداء الثورى ..فخرجوا مطالبين بالقصاص من قسوة رجال الشرطة ومطالبين باسقاط الحكومة والنظام البائدين ...
                                                                 
                                                     القائد ابراهيم


شهد ميدان محطةالرمل بالإسكندرية وخاصة مسجد القائد ابراهيم وقائع الثورة منذ انطلاق شرارتها الاولى حيث شهد على الوقفات الاحتجاجية التى نظمتها دعوة كلنا "خالد سعيد " وفى الخامس والعشرين من يناير ,استمرت يوميا تلك الحشود الثائرة المنتفضة تسجل بطول الكورنيش وطرقات ميدان محطة الرمل وجدران المسجد مع كل صلاة احتجاجها وكلمتها التى لن تتراجع عنها سوى باسقاط النظام كاملا وقرار التنحى ,وكلما مرت جمعة من جمعات الثورة التى بدأت بجمعة الغضب وامتدت حتى جمعة التطهير،تتزايد الأعداد حتى تخطت المليون ,بذلك المشهد المهيب .

أقيم مسجد القائد ابراهيم فى الذكرى المئوية عام 1948 لوفاة القائد " ابراهيم باشا " ابن "محمدعلى" والى مصر , حسب تصميم لمهندس ايطالى الأصل شغل منصب كبير مهندسى الأوقاف حيث اشرف على أعمال القصور والمساجد فى عهد الملك فؤاد الأول وكان حينها قد جدد بالفعل مسجد "المرسى أبو العباس" .


وهومن أشهر المساجد ليس بالإسكندرية فقط بل بمصر بأكملها يشتهر فى منظره بالزخارف المختلفة لعصورٍ مختلفة وينفرد بمئذنته الطويلة الرشيقة والتى تتميز عن مثيلاتها بوجود ساعة بها ’ وفى سحره بجذب المصليين من شتى بقاع الاسكندرية بل والمحافظات المجاورة وخاصة فى ليالى شهر رمضان لصلوات التراويح و التهجد وخاصة فى العشرة الأواخر من الشهر الكريم ,حيث ترتقى الاعداد فى تلك الايام الى ان تتخطى مئات الآلاف ,ملحق بالمسجد دار مناسبات خاصة تابعة له , يطل على البحر مباشرةً وعلى حدائق جميلة هى حديقة الخالدين فضلاعن ذلك أشهر ميادين الاسكندرية وهو ميدان سعد زغلول او" محطة الرمل " وبالقرب منه على بعد خطوات بسيطة وبمنطقة الشاطبى تقع مكتبة الاسكندرية .


أما فى الأونة الأخيرة أصبح مسجد القائد ابراهيم قبلة الغاضبين المنظمين للوقفات الإحتجاجية منذ الوقفات الخاصة بقضية خالد سعيد , والوقفة الاحتجاجية الخاصة بقضية الشهيدة "مروى الشربينى " المصرية السكندرية التى اغتيلت بألمانيا فى فبراير عام 2009 داخل إحدى قاعات محاكم مدينة "دريسين " على يد المتطرف الروسى الجنسية "اليكس " .


وهكذا كما تنطلق من داخل المسجد وقاعة المناسبات التابعة له الآيا ت القرآنية مودعة للعديد من أجساد المفقودين والمظلومين من ابناء الاسكندرية ..تعالت صيحات الرغبة الوحشية فى التغيير وأبت الا أن تهدأ وتستقر الا باسقاط النظام والقضاء التام على الفساد والمفسدين ...بمليونية شهدها العالم أجمع وتطلعت نحوها العيون .


مليونية جمعة الرحيل

                                                نشر بجريدة القاهرة 5/4/2011